مجمع البحوث الاسلامية
612
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
إنّه تعالى بيّن أنّهم كما يستبشرون بالّذين لم يلحقوا بهم على ما ذكر ، فهم يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النّعيم ، وإنّما أعاد لفظ ( يستبشرون ) لأنّ الاستبشار الأوّل كان بأحوال الّذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، والاستبشار الثّاني كان بأحوال أنفسهم خاصّة . فإن قيل : أليس أنّه ذكر فرحهم بأحوال أنفسهم والفرح عين الاستبشار ؟ قلنا : الجواب من وجهين : الأوّل : أنّ الاستبشار هو الفرح التّامّ ، فلا يلزم التّكرار . والثّاني : لعلّ المراد حصول الفرح بما حصل في الحال ، وحصول الاستبشار بما عرفوا أنّ النّعمة العظيمة تحصل لهم في الآخرة . [ إلى أن قال : ] الآية تدلّ على أنّ استبشارهم بسعادة إخوانهم أتمّ من استبشارهم بسعادة أنفسهم ، لأنّ الاستبشار الأوّل في الذّكر هو بأحوال الإخوان ، وهذا تنبيه من اللّه تعالى على أنّ فرح الإنسان بصلاح أحوال إخوانه ومتعلّقيه ، يجب أن يكون أتمّ وأكمل من فرحه بصلاح أحوال نفسه . ( 9 : 95 ) أبو حيّان : هم جميع المؤمنين ، أي يحصل لهم البشرى بانتفاء الخوف والحزن عن إخوانهم المؤمنين ، الّذين لم يلحقوا بهم في الشّهادة ، فهم فرحون بما حصل لهم ، مستبشرون بما يحصل لإخوانهم المؤمنين ، قاله الزّجّاج وابن فورك وغيرهما . وقال قتادة : وابن جريج والرّبيع وغيرهم : هم الشّهداء الّذين يأتونهم بعد من إخوانهم المؤمنين الّذين تركوهم يجاهدون فيستشهدون ، فرحوا لأنفسهم ولمن يلحق بهم من الشّهداء ؛ إذ يصيرون إلى ما صاروا إليه من كرامة اللّه تعالى . قال ابن عطيّة : وليست استفعل في هذا الموضع بمعنى طلب البشارة ، بل هي بمعنى استغنى اللّه واستمجد المرخ والعفار ، انتهى كلامه . أمّا قوله : ليست بمعنى طلب البشارة ، فصحيح ، وأمّا قوله : بل هي بمعنى استغنى اللّه واستمجد المرخ والعفار ، فيعني أنّها تكون بمعنى الفعل المجرّد ، كاستغنى بمعنى غنى واستمجد بمعنى مجد . ونقل أنّه يقال : بشر الرّجل ، بكسر الشّين ، فيكون استبشر بمعناه . ولا يتعيّن هذا المعنى بل يجوز أن يكون مطاوعا لأفعل ، وهو الأظهر ، أي أبشره اللّه فاستبشر ، كقولهم : أكانه فاستكان ، وأشلاه فاستشلى ، وأراحه فاستراح ، وأحكمه فاستحكم ، وأكنّه فاستكنّ ، وأمرّه فاستمرّ ، وهو كثير . وإنّما كان هذا الأظهر هنا ، لأنّه من حيث المطاوعة يكون منفعلا عن غيره ، فحصلت له البشرى بإبشار اللّه له بذلك ، ولا يلزم هذا المعنى إذا كان بمعنى المجرّد ، لأنّه لا يدلّ على المطاوعة . ( 3 : 114 ) كرّر الفعل على سبيل التّوكيد إن كانت النّعمة والفضل بيانا لمتعلّق الاستبشار الأوّل ، قاله الزّمخشريّ . [ وبعد نقل قول الزّمخشريّ قال : ] وهو على طريقة الاعتزال في ذكره وجوب الأجر وتحصيله على إيمانهم . وسلك ابن عطيّة طريقة أهل السّنّة فقال : أكّد استبشارهم بقوله : ( يستبشرون ) ثمّ